صلاح الدين الايوبـــــــــــى

اذهب الى الأسفل

صلاح الدين الايوبـــــــــــى

مُساهمة من طرف body في الأحد أغسطس 29, 2010 7:06 am

صلاح الدين الأيوبى
__________________


عرف في كتب التاريخ في الشرق والغرب بأنه فارس نبيل وبطل شجاع وقائد
من أفضل من عرفتهم البشرية وشهد بأخلاقه أعداؤه من الصليبيين قبل أصدقائه
وكاتبوا سيرته، إنه نموذج فذ لشخصية عملاقة من صنع الإسلام، إنه البطل صلاح
الدين الأيوبي محرر القدس من الصليبيين وبطل معركة حطين.


فإلى سيرته ومواقف
من حياته كما يرويها صاحب وفيات الأعيان أحمد بن خلكان، والقاضي بهاء
الدين بن شداد صاحب كتاب "سيرة صلاح الدين" وبن الأثير في كتابه "الكامل".




نسبه ونشأته

هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي الملقب
بالملك الناصر صلاح الدين.


اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من (دوين)
وهي بلدة في آخر أذربيجان وأنهم أكراد روادية، والروادية بطن من
الهذبانية، وهي قبيلة كبيرة من الأكراد.


يقول أحمد بن خلكان: قال
لي رجل فقيه عارف بما يقول وهو من أهل دوين إن على باب دوين قرية يقال لها
(أجدانقان) وجميع أهلها أكراد روادية وكان شاذي ـ جد صلاح الدين ـ قد أخذ
ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخرج بهما إلى بغداد ومن هناك
نزلوا تكريت ومات شاذي بها وعلى قبره قبة داخل البلد.


ولد صلاح الدين سنة
532هـ بقلعة تكريت لما كان أبوه وعمه بها والظاهر أنهم ما أقاموا بها بعد
ولادة صلاح الدين إلا مدة يسيرة، ولكنهم خرجوا من تكريت في بقية سنة 532هـ
التي ولد فيها صلاح الدين أو في سنة ثلاث وثلاثين لأنهما أقاما عند عماد
الدين زنكي بالموصل ثم لما حاصر دمشق وبعدها بعلبك وأخذها رتب فيها نجم
الدين أيوب وذلك في أوائل سنة أربع وثلاثين.


يقول بن خلكان: أخبرني
بعض أهل بيتهم وقد سألته هل تعرف متى خرجوا من تكريت فقال سمعت جماعة من
أهلنا يقولون إنهم أخرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين
فتشاءموا به وتطيروا منه فقال بعضهم لعل فيه الخيرة وما تعلمون فكان كما
قال والله أعلم.


ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع
ولما ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي دمشق لازم نجم الدين أيوب
خدمته وكذلك ولده صلاح الدين وكانت مخايل السعادة عليه لائحة والنجابة
تقدمه من حالة إلى حالة ونور الدين يرى له ويؤثره ومنه تعلم صلاح الدين
طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد.


صلاح
الدين في مصر


هرب الوزير الفاطمي شاور من مصر من الوزير
ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري لما استولى على
الدولة المصرية وقهره وأخذ مكانه في الوزارة كعادتهم في ذلك وقتل ولده
الأكبر طي بن شاور فتوجه شاور إلى الشام مستغيثا بالملك العادل نور الدين
بن زنكي وذلك في شهر رمضان 558هـ ودخل دمشق في الثالث والعشرين من ذي
القعدة من السنة نفسها فوجه نور الدين معه الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي
في جماعة من عسكره كان صلاح الدين في جملتهم في خدمة عمه وهو كاره للسفر
معهم وكان لنور الدين في إرسال هذا الجيش هدفان:


أحدهما: قضاء حق شاور
لكونه قصده ودخل عليه مستصرخا.


والثاني: أنه أراد استعلام أحوال مصر فإنه
كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند وأحوالها في غاية الاختلال فقصد الكشف
عن حقيقة ذلك.


وكان كثير الاعتماد على شيركوه لشجاعته
ومعرفته وأمانته فانتدبه لذلك وجعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين
مقدم عسكره وشاور معهم فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة 559هـ فدخلوا
مصر واستولوا على الأمر في رجب من السنة نفسها.


ولما وصل أسد الدين
وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا الضرغام وحصل لشاور مقصودة
وعاد إلى منصبه وتمهدت قواعده واستمرت أموره غدر بأسد الدين شيركوه
واستنجد بالإفرنج عليه فحاصروه في بلبيس، وكان أسد الدين قد شاهد البلاد
وعرف أحوالها وأنها مملكة بغير رجال تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام
والمحال فطمع فيها وعاد إلى الشام، وأقام أسد الدين بالشام مدة مفكرا في
تدبير عودته إلى مصر محدثا نفسه بالملك لها مقررا قواعد ذلك مع نور الدين
إلى سنة 562هـ


وبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبة الوزير
الخائن شاور للفرنج وما تقرر بينهم فخافا على مصر أن يملكوها ويملكوا
بطريقها جميع البلاد فتجهز أسد الدين وأنفذ معه نور الدين العساكر وصلاح
الدين في خدمة عمه أسد الدين، وكان وصول أسد الدين إلى البلاد مقارنا لوصول
الإفرنج إليها واتفق شاور والمصريون بأسرهم والإفرنج على أسد الدين وجرت
حروب كثيرة.


وتوجه صلاح الدين إلى الإسكندرية فاحتمى بها وحاصره الوزير
شاور في جمادى الآخرة من سنة 562هـ ثم عاد أسد الدين من جهة الصعيد إلى
بلبيس وتم الصلح بينه وبين المصريين وسيروا له صلاح الدين فساروا إلى
الشام.


ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثالثة وكان سبب ذلك أن الإفرنج
جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون مصر ناكثين العهود مع المصريين وأسد
الدين طمعا في البلاد فلما بلغ ذلك أسد الدين ونور الدين لم يسعهما الصبر
فسارعا إلى مصر أما نور الدين فبالمال والرجال ولم يمكنه المسير بنفسه خوفا
على البلاد من الإفرنج، وأما أسد الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله



يقول بن
شداد: لقد قال لي السلطان صلاح الدين قدس الله روحه كنت أكره الناس للخروج
في هذه الدفعة وما خرجت مع عمي باختياري وهذا معنى قوله تعالى {وعسى أن
تكرهوا شيئا وهو خير لكم} (البقرة:216)


وكان شاور لما أحس بخروج
الإفرنج إلى مصر سير إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعا وكان
وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة 564هـ ولما علم الإفرنج بوصول أسد
الدين إلى مصر على اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين على أعقابهم ناكصين
وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان وكان وعدهم بمال في مقابل
ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئا وعلم أسد الدين أن شاور يلعب به
تارة وبالإفرنج أخرى،وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء
شاور فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه، فقتله وأصبح أسد الدين وزيرا
وذلك في سابع عشر ربيع الأول سنة 564هـ ودام آمرا وناهيا و صلاح الدين
يباشر الأمور مقرراً لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى
الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة نفسها فمات أسد الدين.



وذكر
المؤرخون أن أسد الدين لما مات استقرت الأمور بعده للسلطان صلاح الدين يوسف
بن أيوب فبذل الأموال وملك قلوب الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر
نعمة الله تعالى عليه، وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بقميص الجد والاجتهاد،
استعدادا لمواجهات مستمرة مع الصليبيين من جهة ومع خزعبلات الدولة الفاطمية
من جهة أخرى.


هجوم الإفرنج على مصر


ولما علم
الإفرنج استقرار الأمر بمصر لصلاح الدين علموا أنه يملك بلادهم ويخرب
ديارهم ويقلع آثارهم لما حدث له من القوة والملك واجتمع الإفرنج والروم
جميعا وقصدوا الديار المصرية فقصدوا دمياط ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون
إليه من العدد، ولما رأى نور الدين ظهور الإفرنج ونزولهم على دمياط قصد
شغلهم عنها فنزل على الكرك محاصرا لها، فقصده فرنج الساحل فرحل عنها وقصد
لقاءهم فلم يقفوا له.


ولما بلغ صلاح الدين قصد الإفرنج دمياط استعد
لهم بتجهيز الرجال وجمع الآلات إليها ووعدهم بالإمداد بالرجال إن نزلوا
عليهم وبالغ في العطايا والهبات وكان وزيرا متحكما لا يرد أمره في شيء ثم
نزل الإفرنج عليها واشتد زحفهم وقتالهم عليها وهو يشن عليهم الغارات من
خارج والعسكر يقاتلهم من داخل ونصر الله تعالى المسلمين به وبحسن تدبيره
فرحلوا عنها خائبين فأحرقت مناجيقهم ونهبت آلاتهم وقتل من رجالهم عدد كبير.



تأسيس الدولة الأيوبية

واستقرت الأمور
لصلاح الدين ونقل أسرته ووالده نجم الدين أيوب إليها ليتم له السرور وتكون
قصته مشابهة لقصة يوسف الصديق عليه السلام، ولم يزل صلاح الدين وزيرا حتى
مات العاضد آخر الخلفاء الفاطميين 565هـ وبذلك انتهت الدولة الفاطمية وبدأت
دولة بني أيوب (الدولة الأيوبية).


ولقب صلاح الدين بالملك الناصر وعاد إلى دار
أسد الدين فأقام بها، وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه.


وأرسل صلاح الدين يطلب
من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك وقال أخاف أن يخالف أحد
منهم عليك فتفسد البلاد، ثم إن الإفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى مصر فسير نور
الدين العساكر وفيهم إخوة صلاح الدين منهم شمس الدولة توران شاه بن أيوب،
وهو أكبر من صلاح الدين.


و ذكر ابن الأثير ما حدث من الوحشة بين نور
الدين وصلاح الدين باطنا فقال: وفي سنة 567هـ حدث ما أوجب نفرة نور الدين
عن صلاح الدين وكان الحادث أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره بجمع
العساكر المصرية والمسير بها إلى بلد الإفرنج والنزول على الكرك ومحاصرته
ليجمع هو أيضا عساكره ويسير إليه ويجتمعا هناك على حرب الإفرنج والاستيلاء
على بلادهم فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم وكتب إلى نور
الدين يعرفه أن رحيله لا يتأخر وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز وأقام
ينتظر ورود الخبر من صلاح الدين برحيله ليرحل هو فلما أتاه الخبر بذلك رحل
من دمشق عازما على قصد الكرك فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه
فأرسل كتابه يعتذر فيه عن الوصول باختلال البلاد المصرية لأمور بلغته عن
بعض شيعة العلويين وأنهم عازمون على الوثوب بها وأنه يخاف عليها مع البعد
عنها فعاد إليها فلم يقبل نور الدين عذره، وكان سبب تقاعده أن أصحابه
وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين فحيث لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك
عليه وعظم عنده وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها.



ووصل الخبر
إلى صلاح الدين فجمع أهله وفيهم والده نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين
الحارمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه عن عزم نور الدين على قصده
وأخذ مصر منه واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء فقام تقي الدين عمر ابن أخي
صلاح الدين وقال إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد ووافقه غيره من أهله
فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه وكان ذا رأي ومكر وعقل وقال لتقي
الدين اقعد وسبه وقال لصلاح الدين أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك أتظن أن
في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال لا فقال والله لو رأيت
أنا وهذا خالك شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض
بين يديه ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا فإذا كنا نحن هكذا كيف يكون
غيرنا وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر
على الثبات على سرجه ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه وهذه
البلاد له وقد أقامك فيها وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء يأمرك
بكتاب مع نجاب حتى تقصد خدمته ويولي بلاده من يريد وقال للجماعة كلهم قوموا
عنا ونحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد فتفرقوا على هذا وكتب
أكثرهم إلى نور الدين بالخبر.


ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له أنت
جاهل قليل المعرفة تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك فإذا سمع
نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم الأمور إليه وأولاها
بالقصد ولو قصدك لم تر معك أحدا من هذا العسكر وكانوا أسلموك إليه وأما
الآن بعد هذا المجلس فسيكتبون إليه ويعرفونه قولي وتكتب أنت إليه وترسل في
المعنى وتقول أي حاجة إلى قصدي يجبي نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي فهو إذا
سمع هذا عدل عن قصدك واستعمل ما هو أهم عنده والأيام تندرج والله في كل
وقت في شأن والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها
حتى أمنعه أو أقتل ففعل صلاح الدين ما أشار به والده فلما رأى نور الدين
الأمر هكذا عدل عن قصده وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب وتوفي نور الدين
ولم يقصده وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها.



توسع
الدولة الأيوبية


قال ابن شداد: لم يزل صلاح الدين على قدم بسط
العدل ونشر الإحسان وإفاضة الإنعام على الناس إلى سنة 568هـ فعند ذلك خرج
بالعسكر يريد بلاد الكرك والشوبك وإنما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه وكانت
في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية وكان لا يمكن أن تعبر قافلة حتى
يخرج هو بنفسه يعبرها فأراد توسيع الطريق وتسهيلها فحاصرها في هذه السنة
وجرى بينه وبين الإفرنج وقعات وعاد ولم يظفر منها بشيء ولما عاد بلغه خبر
وفاة والده نجم الدين أيوب قبل وصوله إليه.


ولما كانت سنة 569هـ رأى
قوة عسكره وكثرة عدده وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك
حصونها يسمى عبد النبي بن مهدي فسير أخاه توران شاه فقتله وأخذ البلاد منه
وبلغ صلاح الدين أن إنسانا يقال له الكنز جمع بأسوان خلقا عظيما من السودان
وزعم أنه يعيد الدولة المصرية وكان أهل مصر يؤثرون عودهم فانضافوا إلى
الكنز، فجهز صلاح الدين إليه جيشا كثيفا وجعل مقدمه أخاه الملك العادل
وساروا فالتقوا وهزموهم وذلك في السابع من صفر سنة 570هـ.


وكان نور الدين
رحمه الله قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل وكان بدمشق عند وفاة أبيه ثم
إن صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن ولده الملك الصالح صبي لا يستقل
بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك واختلفت الأحوال بالشام وكاتب شمس الدين ابن
المقدم صلاح الدين فتجهز من مصر في جيش كثيف وترك بها من يحفظها وقصد دمشق
مظهرا أنه يتولى مصالح الملك الصالح فدخلها في سنة 570هـ وتسلم قلعتها وكان
أول دخوله دار أبيه، وهي الدار المعروفة بالشريف العقيقي، واجتمع الناس
إليه وفرحوا به وأنفق في ذلك اليوم مالا جليلا وأظهر السرور بالدمشقيين
وصعد القلعة وسار إلى حلب فنازل حمص وأخذ مدينتها في جمادى الأولى من السنة
نفسها ولم يشتغل بقلعتها وتوجه إلى حلب ونازلها في يوم الجمعة آخر جمادى
الأولى من السنة وهي المعركة الأولى.


ولما أحس سيف الدين غازي
بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل بما جرى علم أن صلاح
الدين قد استفحل أمره وعظم شأنه وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت
قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه فأنفذ عسكرا وافرا وجيشا عظيما وقدم عليه
أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن
البلاد فلما بلغ صلاح الدين ذلك رحل عن حلب في مستهل رجب من السنة عائدا
إلى حماة ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها ووصل عز الدين مسعود إلى حلب وأخذ معه
عسكر ابن عمه الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب يومئذ وخرجوا في جمع عظيم
فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم
وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا
به غرضهم والقضاء يجر إلى أمور وهم بها لا يشعرون فتلاقوا فقضى الله تعالى
أن هزموا بين يديه وأسر جماعة منهم فمن عليهم وذلك في تاسع شهر رمضان من
سنة570 هـ عند قرون حماة ثم سار عقيب هزيمتهم ونزل على حلب وهي الدفعة
الثانية فصالحوه على أخذ المعرة وكفر طاب وبارين ولما جرت هذه المعركة كان
سيف الدين غازي يحاصر أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار وعزم على أخذها منه
لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين وكان قد قارب أخذها فلما بلغه الخبر وأن
عسكره انكسر خاف أن يبلغ أخاه عماد الدين الخبر فيشتد أمره ويقوى جأشه
فراسله وصالحه ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها
وسار إلى البيرة وعبر الفرات وخيم على الجانب الشامي وراسل ابن عمه الصالح
بن نور الدين صاحب حلب حتى تستقر له قاعدة يصل عليها ثم إنه وصل إلى حلب
وخرج الملك الصالح إلى لقائه أقام على حلب مدة.



المواجهة
مع الإفرنجة


في سنة 572هـ اسقرت الأمور بمصر والشام للدولة
الأيوبية، وكان أخو صلاح الدين شمس الدولة توران شاه قد وصل إليه من اليمن
فاستخلفه بدمشق ثم تأهب للغزاة من الإفرنجة، فخرج يطلب الساحل حتى وافى
الإفرنج على الرملة وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة 573هـ وكانت الهزيمة
على المسلمين في ذلك اليوم، فلما انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه
فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في الطريق وتبددوا وأسر منهم جماعة منهم
الفقيه عيسى الهكاري وكان ذلك وهنا عظيما جبره الله تعالى بمعركة حطين
المشهورة.


أقام صلاح الدين بمصر حتى لم شعثه وشعث أصحابه من أثر هزيمة
الرملة ثم بلغه تخبط الشام فعزم على العود إليه واهتم بالغزاة فوصله رسول
"قليج أرسلان" صاحب الروم يلتمس الصلح ويتضرر من الأرمن فعزم على قصد بلاد
ابن لاون ـ وهي بلاد سيس الفاصلة بين حلب والروم من جهة الساحل ـ لينصر
قليج أرسلان عليه فتوجه إليه واستدعى عسكر حلب لأنه كان في الصلح أنه متى
استدعاه حضر إليه ودخل بلد ابن لاون وأخذ في طريقه حصنا و أخربه ورغبوا
إليه في الصلح فصالحهم ورجع عنهم ثم سأله قليج أرسلان في صلح الشرقيين
بأسرهم فأجاب إلى ذلك وحلف صلاح الدين في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين
وخمسمائة ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وعاد بعد تمام الصلح إلى
دمشق ثم منها إلى مصر.


معركة حطين


كانت معركة
حطين المباركة على المسلمين في يوم السبت 14 ربيع الآخر سنة 583هـ في وسط
نهار الجمعة وكان صلاح الدين كثيرا ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند
الصلاة تبركا بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر فسار في ذلك الوقت بمن
اجتمع له من العساكر الإسلامية وكانت تجاوز العد والحصر على تعبئة حسنة
وهيئة جميلة وكان قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدة كثيرة بمرج صفورية
بعكا عندما بلغهم اجتماع الجيوش الإسلامية فسار ونزل على بحيرة طبرية ثم
رحل ونزل على طبرية على سطح الجبل ينتظر هجوم الصليبيين عليه إذا بلغهم
نزوله بالموضع المذكور فلم يتحركوا ولا خرجوا من منزلهم وكان نزولهم يوم
الأربعاء 21ربيع الآخر فلما رآهم لا يتحركون نزل على طبرية وهاجمها وأخذها
في ساعة واحدة وبقيت القلعة محتمية بمن فيها ولما بلغ العدو ما جرى على
طبرية قلقوا لذلك ورحلوا نحوها فبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصر
قلعتها ولحق بالعسكر فالتقى بالعدو على سطح جبل طبرية الغربي منها وذلك في
يوم الخميس 22 ربيع الآخر وحال الليل بين المعسكرين قياما على مصاف إلى
بكرة يوم الجمعة فركب الجيشان وتصادما والتحم القتال واشتد الأمر وذلك بأرض
قرية تعرف بلوبيا وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت
وهم ينظرون وقد أيقنوا بالويل والثبور وأحست نفوسهم أنهم في غد يومهم ذلك
من زوار القبور ولم تزل الحرب تضطرم والفارس مع قرنه يصطدم ولم يبق إلا
الظفر ووقع الوبال على من كفر فحال بينهم الليل بظلامه وبات كل واحد من
الفريقين في سلاحه إلى صبيحة يوم السبت فطلب كل من الفريقين مقامه وتحقق
المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو وأنهم لا ينجيهم
إلا الاجتهاد في الجهاد فحملت جيوش المسلمين من جميع الجوانب وحمل القلب
وصاحوا صيحة رجل واحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين وكان حقا عليه نصر
المؤمنين ولما أحس القوم بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر وقصد جهة صور
وتبعه جماعة من المسلمين فنجا منهم وكفى الله شره وأحاط المسلمون
بالصليبيين من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وحكموا فيهم السيوف وسقوهم كأس
الحمام وانهزمت طائفة منهم فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها أحد
واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين وهي قرية عندها قبر النبي شعيب
عليه السلام فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران واشتد بهم العطش وضاق
بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأمر خوفا من القتل لما مر بهم فأسر مقدموهم
وقتل الباقون.


وكان ممن سلم من مقدميهم الملك جفري وأخوه
والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك وابن الهنفري وابن صاحبة طبرية ومقدم
الديوية وصاحب جبيل ومقدم الأسبتار.


قال ابن شداد: ولقد حكي
لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا معه نيف وثلاثون أسيرا قد ربطهم
بوتد خيمة لما وقع عليهم من الخذلان.


وأما أرناط فان صلاح
الدين كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله وذلك لأنه كان قد عبر به عند الشوبك
قوم من مصر في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصلح الذي بينه وبين
المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبلغ
السلطان فحملته حميته ودينه على أن يهدر دمه.


من
مواقف صلاح الدين


لما فتح الله تعالى عليه بنصره في حطين جلس
صلاح الدين في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد وعرضت عليه الأسارى وسار
الناس يتقربون إليه بمن في أيديهم منهم وهو فرح بما فتح الله تعالى على
يده للمسلمين ونصبت له الخيمة فجلس فيها شاكرا لله تعالى على ما أنعم به
عليه واستحضر الملك جفري وأخاه و أرناط وناول السلطان جفري شربة من جلاب
وثلج فشرب منها وكان على أشد حال من العطش ثم ناولها لأرناط وقال السلطان
للترجمان قل للملك أنت الذي سقيته وإلا أنا فما سقيته وكان من جميل عادة
العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن فقصد
السلطان بقوله ذلك ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عينه لهم فمضوا بهم إليه فأكلوا
شيئا ثم عادوا بهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم فاستحضرهم وأقعد الملك في
دهليز الخيمة.


وأحضر صلاح الدين أرناط وأوقفه بين يديه وقال
له: ها أنا أنتصر لمحمد منك ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل فسل سيفه فضربه
بها فحل كتفه وتمم قتله من حضر وأخرجت جثته ورميت على باب الخيمة،فلما رآه
الملك على تلك الحال لم يشك في أنه يلحقه به فاستحضره وطيب قلبه وقال له لم
تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك وأما هذا فإنه تجاوز الحد وتجرأ على
الأنبياء صلوات الله عليهم وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور ترتفع
أصواتهم بحمد الله وشكره وتهليله وتكبيره حتى طلع الفجر ثم نزل السلطان على
طبرية يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر وتسلم قلعتها في ذلك
النهار وأقام عليها إلى يوم الثلاثاء


تحرير
عكا وما حولها


ورحل صلاح الدين طالبا عكا فكان نزوله عليها
يوم الأربعاء وقاتل الصليبيين بها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة
583هـ فأخذها واستنقذ من كان بها من أسارى المسلمين وكانوا أكثر من أربعة
آلاف نفس واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع لأنها كانت
مظنة التجار وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن
المنيعة فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوها من
الرجال لأن القتل والأسر أفنى كثيرا منهم ولما استقرت قواعد عكا وقسم
أموالها وأساراها سار يطلب تبنين فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى
الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق بالزحف خناق من فيها،
فقاتلوا قتالا شديدا ونصره الله سبحانه عليهم فتسلمها منهم يوم الأحد ثامن
عشرة عنوة وأسر من بقي فيها بعد القتل ثم رحل عنها إلى صيدا فنزل عليها
وتسلمها في غد يوم نزوله عليها وهو يوم الأربعاء العشرون من جمادى الأولى
وأقام عليها ريثما قرر قواعدها وسار حتى أتى بيروت فنازلها ليلة الخميس
الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركب عليها المجانيق وداوم الزحف والقتال
حتى أخذها في يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور وتسلم أصحابه
جبيل وهو على بيروت، ولما فرغ من هذا الجانب رأى أن قصده عسقلان أولى لأنها
أيسر من صور فأتى عسقلان ونزل عليها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة
من السنة وتسلم في طريقه إليها مواضع كثيرة كالرملة والداروم وأقام في
عسقلان المناجيق وقاتلها قتالا شديدا وتسلمها في يوم السبت نهاية جمادى
الآخرة من السنة وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون
بغير قتال وكان بين فتح عسقلان وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون
سنة فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع والعشرين من جمادى الآخرة
سنة 548هـ.



تحرير القدس

قال ابن شداد: لما
تسلم صلاح الدين عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد
والاجتهاد في قصد القدس المبارك واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في
الساحل فسار نحوه معتمدا على الله تعالى مفوضا أمره إليه منتهزا الفرصة في
فتح باب الخير الذي حث على انتهازه بقوله من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه
لا يعلم متى يغلق دونه وكان نزوله عليه في يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة
583هـ وكان نزوله بالجانب الغربي وكان معه من كان مشحونا بالمقاتلة من
الخيالة والرجالة وحزر أهل الخبرة ممن كان معه من كان فيه من المقاتلة
فكانوا يزيدون على ستين ألفا خارجا عن النساء والصبيان ثم انتقل لمصلحة
رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب المناجيق وضايق
البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم ولما رأى
أعداء الله الصليبيون ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم وظهرت لهم
إمارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم وكان قد اشتد روعهم لما جرى على
أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التخريب والهدم وتحققوا
أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان
واستقرت الأمور بالمراسلة من الطائفتين وكان تسلمه في يوم الجمعة السابع
والعشرين من رجب وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن الكريم
فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسر الله تعالى عوده إلى المسلمين في مثل
زمان الإسراء بنبيهم وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى وكان فتحه
عظيما شهده من أهل العلم خلق ومن أرباب الخرق والزهد عالم وذلك أن الناس
لما بلغهم ما يسره الله تعالى على يده من فتوح الساحل وقصده القدس قصده
العلماء من مصر والشام بحيث لم يتخلف أحد منهم وارتفعت الأصوات بالضجيج
بالدعاء والتهليل والتكبير وصليت فيه الجمعة يوم فتحه وخطب القاضي محيي
الدين محمد بن علي المعروف بابن الزكي.


وقد كتب عماد الدين
الأصبهاني رسالة في فتح القدس،وجمع كتابا سماه الفتح القسي في الفتح القدسي
وهو في مجلدين ذكر فيه جميع ما جرى في هذه الواقعة.


وكان قد حضر الرشيد أبو
محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النابلسي الشاعر المشهور هذا
الفتح فأنشد السلطان صلاح الدين قصيدته التي أولها:


هذا الذي كانت الآمال
تنتظر*****فليوف لله أقوام بما نذروا


وهي طويلة تزيد على مائة
بيت يمدحه ويهنيه بالفتح.


يقول بهاء الدين بن شداد في السيرة الصلاحية:
نكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما ونصر الله الإسلام على
يده نصرا عزيزا ، وكان الإفرنج قد استولوا على القدس سنة 492هـ ولم يزل
بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين، وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على
أنفسهم عن كل رجل عشرين دينارا وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير
ذكر أو أنثى دينارا واحدا فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه وإلا أخذ أسيرا وأفرج
عمن كان بالقدس من أسرى المسلمين وكانوا خلقا عظيما وأقام به يجمع الأموال
ويفرقها على الأمراء والرجال ويحبو بها الفقهاء والعلماء والزهاد
والوافدين عليه وتقدم بإيصال من قام بقطيعته إلى مأمنه وهي مدينة صور ولم
يرحل عنه ومعه من المال الذي جبي له شيء وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين
ألفا وكان رحيله عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان من سنة 583




avatar
body
رئاسة مجلس الإدارة
رئاسة مجلس الإدارة

ذكر عـدد مساهـماتـكـ عـدد مساهـماتـكـ : 895
العمر العمر : 27

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://seadreams.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى